محمد بن جرير الطبري
321
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ . فلو كان الروح الذي أيده الله به هو الإِنجيل لكان قوله : " إذ أيدتك بروح القدس " " وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإِنجيل " تكرير قول لا معنى له . وذلك أنه على تأويل قول من قال : معنى : إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ إنما هو : إذ أيدتك بالإِنجيل ، وإذ علمتك الإِنجيل ؛ وهو لا يكون به مؤيدا إلا وهو معلمه . فذلك تكرير كلام واحد من غير زيادة معنى في أحدهما على الآخر ، وذلك خلف من الكلام ، والله تعالى ذكره يتعالى عن أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به فائدة . وإذا كان ذلك كذلك فبين فساد قول من زعم أن الروح في هذا موضع الإِنجيل ، وإن كان جميع كتب الله التي أوحاها إلى رسله روحا منه ؛ لأَنها تحيا بها القلوب الميتة ، وتنتعش بها النفوس المولية ، وتهتدي بها الأَحلام الضالة . وإنما سمى الله تعالى جبريل روحا وأضافه إلى القدس لأَنه كان بتكوين الله له روحا من عنده من غير ولادة والد ولده ، فسماه بذلك روحا ، وأضافه إلى القدس والقدس : هو الطهر كما سمي عيسى ابن مريم روحا لله من أجل تكوينه له روحا من عنده من غير ولادة والد ولده . وقد بينا فيما مضى من كتابنا هذا أن معنى التقديس : التطهير ، والقدس : الطهر من ذلك . وقد اختلف أهل التأويل في معناه في هذا الموضع نحو اختلافهم في الموضع الذي ذكرناه . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : القدس : البركة . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، قال : القدس : هو الرب تعالى ذكره . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ قال : الله القدس ، وأيد عيسى بروحه . قال : نعت الله القدس . وقرأ قول الله جل ثناؤه : هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ قال : القدس والقدوس واحد . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني عمرو بن الحارث ، عن سعيد بن أبي هلال بن أسامة ، عن عطاء بن يسار ، قال : قال : نعت الله : القدس . القول في تأويل قوله تعالى : أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ . يعني جل ثناؤه بقوله : أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اليهود من بني إسرائيل . حدثني بذلك محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد . قال أبو جعفر : يقول الله جل ثناؤه لهم : يا معشر يهود بني إسرائيل ، لقد آتينا موسى التوراة ، وتابعنا من بعده بالرسل إليكم ، وآتينا عيسى ابن مريم البينات والحجج إذ بعثناه إليكم ، وقويناه بروح القدس . وأنتم كلما جاءكم رسول من رسلي بغير الذي تهواه نفوسكم استكبرتم عليهم تجبرا وبغيا استكبار إمامكم إبليس ؛ فكذبتم بعضا منهم ، وقتلتم بعضا ، فهذا فعلكم أبدا برسلي . وقوله : أَ فَكُلَّما إن كان خرج مخرج التقرير في الخطاب فهو بمعنى الخبر . القول في تأويل قوله تعالى : وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ